لبنان في سنته الثانية… بين حرب مفروضة ودولة لم تُستكمل بعد
لبنان في سنته الثانية… بين حرب مفروضة ودولة لم تُستكمل بعد
٣١ كانون الثاني 2026
جميل كامل مروة
دخل لبنان السنة الثانية من عهد الرئيس جوزف عون وحكومته فيما الحرب الإسرائيلية عليه لم تتوقف يومًا، خلافًا لما نصّت عليه اتفاقات وقف الأعمال الحربية. الجنوب يُقصف، القرى تُدمَّر، والناس تُهجَّر، فيما الدولة تُطالَب بأن تتصرّف وكأنها تعمل في ظروف طبيعية. هذه ليست بيئة حكم، بل اختبار وجودي لدولة تُحاصر بالنار وبالسياسة وبالاقتصاد معًا.
وفي الوقت نفسه، يرزح لبنان تحت ضغط أميركي متصاعد، لا يرى فيه وطنًا مهدّمًا بتراكم الاحتلالات والتسلّطات، بل «مشكلة أمنية» ينبغي ضبطها. يُختصر البلد إلى ملف، ويُختزل شعبه إلى عامل إزعاج إقليمي، ويُتجاهل أن لبنان كان — ولا يزال — ساحة حروب للآخرين، وصندوقًا مفتوحًا للاستنزاف، لا شريكًا في تقرير مصيره.
في هذا السياق، من الظلم — بل من سوء النية — مطالبة العهد والحكومة بإنجازات صاخبة. فالرئيس والوزارة لم يتسلّما دولة قابلة للإدارة، بل دولة مخرّبة، واقتصادًا مفلسًا، وإدارة أُفرغت من معناها. الحكومة الحالية، المؤلفة من أربعة وعشرين وزيرًا، انخرطت منذ اليوم الأول في ترميم خراب تراكم لأربعة عقود من السياسات الرديئة، والفساد، والتسويات على حساب الدولة. لم تبدأ بالإصلاح، بل بمنع الانهيار الكامل. وهذا وحده كان معركة.
لكن وقف السقوط لا يصنع دولة. وتثبيت القاع لا يبني ثقة.
استقبل المواطن اللبناني هذه الحكومة استقبال المظلوم الذي لمح خلاصه من السجن. رأى فيها مخرجًا من انهيار شامل، ومن مناخ تحكّمته دويلات السلاح والفوضى. غير أن هذا المواطن، بعد سنة، ما زال حائرًا. توقّف السقوط، نعم. لكن أين الدولة التي وُعد بها؟ كيف يعود مواطنًا إلى كيان لم يستعد بعد سيادته، ولا قدرته على حمايته، ولا حتى لغته المشتركة معه؟
هنا تُسجَّل الملاحظة السياسية الأهم على العهد والحكومة معًا:
أُنجز الكثير في الصمت، لكن القليل في المعنى العام.
لم تُبنَ بعد رواية وطنية تُفسّر للناس ما يجري، ولا مشروع سياسي يشرح وظيفة لبنان المقبلة، ولا خطاب صريح يضع المواطن شريكًا في المعركة بدل أن يتركه متفرجًا مرتبكًا. ليست المشكلة في نقص الكفاءة، بل في غياب التصوّر الجامع.
الفريق الحاكم اليوم يضم خلاصة نادرة من الكفاءات. رئيس يعرف الانضباط والتخطيط، ووزراء يحملون خبرات دولية وتقنية قلّ أن تجتمع. لكن الكفاءة غير المُنظمة تتحول عبئًا. والوزارات، من دون رؤية موحّدة، تصبح جزرًا معزولة. وهذا ما لا يحتمله بلد في حالة حرب واستنزاف.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الاجتماعات، بل إلى قيادة سياسية تقول الأمور بأسمائها.
تقول للناس إن الحرب مستمرة. وإن الضغوط الخارجية لن تزول قريبًا. وإن الاقتصاد لن يتعافى سريعًا.
لكنها تقول أيضًا إن الدولة قررت أن تعود، لا بالكلام بل بالفعل.
فالعلاقة بين المواطن والدولة ليست تفصيلًا. هي جوهر المعركة. لا إصلاح بلا ثقة. ولا ثقة بلا صدق. ولا صدق بلا وضوح سياسي يشرح للناس لماذا تُتخذ القرارات، وأين تؤدي، ومتى تبدأ نتائجها بالظهور.
الهوة المالية عميقة، والركود خانق، والقدرة على المناورة محدودة إلى حدّ الاختناق. ومع ذلك، فإن نجاح الحكومة في منع الانهيار الكامل يُحسب لها. لكن هذا النجاح، إن لم يُحوَّل إلى مشروع واضح، سيتحوّل إلى حالة انتظار قاتلة.
ويبقى القضاء عنوانًا لا يمكن الهروب منه. دولة لا تملك قضاءً مستقلًا وفعّالًا، لا تملك اقتصادًا، ولا سيادة، ولا مستقبلًا. العدالة ليست بندًا إداريًا، بل ساحة المواجهة الأولى مع الفوضى، والفساد، والسلاح الخارج عن الدولة.
إن كانت هناك كلمة تختصر ما تبقّى من هذا العهد، فهي الحسم.
حسم في الرؤية. حسم في التنسيق بين الرئاسة والحكومة. حسم في مخاطبة اللبنانيين بلا مواربة. وحسم في استعادة الدولة من كل ما ينازعها سلطتها.
لبنان استُخدم طويلًا ساحةً لحروب الآخرين، وذريعةً لتسلّطات الداخل، وواجهةً لفسادٍ لم يعد يُخفى. لكن هذا البلد، رغم كل ما جرى، ما زال يملك فرصة أخيرة.
غير أن الفرص لا تُنقذ نفسها. إما أن تُمسكها قيادة تعرف ماذا تريد، أو تُدفن مع ما دُفن قبلها من آمال.
وهنا، لا يعود السؤال ترفًا صحافيًا، بل إنذارًا وطنيًا:
هل نملك هذه المرة شجاعة القرار… أم نكتفي، مرة أخرى، بشجاعة الانتظار؟

