طرابلس
طرابلس
١١ شباط ٢٠٢٦
أنقذوا طرابلس تنقذوا لبنان: من دمار الحروب إلى نخر الإهمال
جميل كامل مروة
في أحياء طرابلس القديمة، حيث يتعانق صوت الأذان مع صخب الأسواق، وقع الحدث الذي لا يجوز أن يُسجَّل في خانة “الحوادث”: مبانٍ عتيقة انهارت على رؤوس أهلها، فأخذت أرواحًا وخلّفت جراحًا وخرابًا. وليس هذا الانهيار عابرًا، ولا هو قدرٌ يسير على الأقدام بلا مسؤول. إنّه برهانٌ حسّي على إهمالٍ مزمن وفوضى إدارية جعلت المدينة تنهار ببطء، كما تنهار الأخلاق حين تُترك بلا رقيب.
هذه البليّة تفضح ما نحاول منذ سنوات أن نخفيه بالكلام: الدولة غائبة حيث يجب أن تكون حاضرة، حاضرة حيث لا يلزم حضورها، وشديدة الذكاء فقط في صناعة الأعذار.
يقول بعض التقارير الرسمية إن أكثر من ثلث أهل طرابلس يعيشون في أحياء غير رسمية أو في مبانٍ مهددة بالانهيار بسبب نقص الصيانة، أي أن آلاف الأسر تعيش كل يوم تحت سقفٍ لا “يحمي” بل “يُراهن” على لحظة سقوط. وفي بلدٍ تعوّد أن يربّي مواطنيه على التكيّف مع الخطر، صار الخطر بيتًا، وصارت الحياة “حظًا” لا حقًا.
هنا يظهر التوازي القاسي: الجنوب عرف دمار الحروب المتكررة؛ وطرابلس تعرف دمار الإهمال المتراكم. هناك قذائف تهدم، وهنا فسادٌ يَنخر، وفوضى تُهمل، وإدارة تتواطأ بالصمت. لكن النتيجة على الناس واحدة: فقدان الأرواح، نزوحٌ داخليٌّ صامت، ويأسٌ لا يحتاج إلى خطابات كي يُفهَم.
والسؤال الذي لا يُسمح لنا أن نؤجّله بعد اليوم: كيف نستمر في تجاهل هذا الحال من دون تدخّل جذري يعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطن؟
لأن الثقة لا تُرمَّم بالتصريحات، بل بالأفعال، ولا تُبنى فوق ركام ضحايا.
من أين بدأت السلسلة؟ من الحرب الأهلية التي مزّقت المدن، وجرّت طرابلس إلى اشتباكاتٍ تركت نحيبا في عمرانها ومجتمعها. ثم جاءت جولات العنف بين باب التبانة وجبل محسن، فسال الدم، ونزح الناس، وانكسرت الأحياء. وفي كل مرة كان يُقال للمدينة: “اصبري”، ثم يُترك صبرها يتآكل وحده.
لكن بعد أن هدأت البنادق، لم يبدأ الإعمار كما يجب. لم تُستكمل المعالجة من جذورها. تُركت المدينة على هامش خطط الدولة، فتقدّم الفساد خطوةً، وتراجعت المرافق خطوتين، حتى صار المبنى المتهالك أقوى من قرار البلدية، وصار المواطن أفقر من أن يدفع الصيانة، وأضعف من أن يفرض حقه.
وتقول تقارير دولية إن نسبة كبيرة من مباني طرابلس تعاني تلفًا هيكليًا بسبب غياب الصيانة، بما يجعل المدينة تعيش على فوهة كارثة هندسية واجتماعية. وفي الجنوب كان الدمار بفعل القنابل؛ وفي الشمال الدمار بفعل الإهمال. والفرق الوحيد بينهما هو نوع السلاح: هناك سلاحٌ ظاهر، وهنا سلاحٌ يرتدي ربطة عنق.
ثم امتدّ هذا التوازي إلى الانهيار الاقتصادي الذي يجتاح لبنان كله. الحرب تُفقِر، والإهمال يُفقِر، والفساد يُفقِر أكثر من كليهما لأنه يحوّل الفقر إلى نظام. طرابلس التي كانت تسهم بقدر ملموس في الاقتصاد الوطني قبل 2019، شهدت انكماشًا قاسيًا في السنوات الأخيرة؛ البطالة ارتفعت إلى مستويات مخيفة، والفقر تجاوز نصف السكان، ومئات آلاف الناس صاروا تحت خط الحاجة اليومية. وهذه ليست أرقامًا للزينة في تقارير، بل وجوهٌ في الأسواق، وأطفالٌ في المدارس، وأسرٌ تبيع ما تبقى لها لتشتري يومًا إضافيًا من “النجاة”.
ومع الفقر يأتي ما هو أخطر: هجرة الشباب. يهاجرون لأن الدولة لم تعد تعدهم بشيء سوى الانتظار. يهاجرون لأن البيت الذي لا ينهار اقتصاديًا قد ينهار هندسيًا. يهاجرون لأنهم فهموا باكرًا أن وطنًا لا يحمي سقفه لا يحمي مستقبله.
إذا كانت النتائج متشابهة بين الجنوب والشمال، أفلا يكون الحلّ مشتركًا؟
ليس حلّ الترقيع، ولا حلّ “التعويضات” التي تتحول غالبًا إلى قنوات جديدة للسمسرات، بل حلّ إصلاحي شامل يربط الإنقاذ بالإنتاج، ويربط إعادة الإعمار بإعادة بناء الدولة نفسها.
وفي الخلاصة، الإصلاح في الجنوب والشمال هو الدواء المشترك الوحيد الذي يعيد لبنان إلى الحياة. لكن الإصلاح لا يتحقق بالخطابة ولا بالمجاملة. الإصلاح يحتاج جرأة على كسر عادات الأربعين سنة الماضية: الولاءات الطائفية بدل الولاء للدولة، والفساد بدل التنمية، والوساطة بدل الحق.
واليوم، ونحن في بداية السنة الثانية لتولّي الرئيس جوزاف عون، وأمام حكومة يرأسها الدكتور نواف سلام، تضمّ اختصاصيين يُعوَّل على كفاءتهم ونظافة كفهم، تبدو أمام لبنان فرصة لا يجوز تبديدها. هذا الفريق—إن كان فريقًا فعلًا—قادر أن ينتصر على تحدٍّ متعدد الأسباب: إهمالٌ، فسادٌ، ودمارٌ حربي، شرط أن يعمل بمنطق الخطة لا بمنطق ردّ الفعل، وبمنطق الدولة لا بمنطق التسويات.
إنقاذ طرابلس يعني إنقاذ لبنان، لأن الشمال والجنوب وجهان لمصير واحد. والتعافي المجتمعي لا يكون مناطقَ متفرقة تتنافس على الفتات، بل وطنًا ينهض بخطة استنهاض متماسكة. وأي تأجيل سيزيد الخسائر، وكل يوم صمت هو يوم إضافي تُدفن فيه الثقة تحت الركام.
والسؤال الذي تفرضه الرصانة—لا العاطفة—هو: هل تملك هذه القيادة، في سنتها الثانية، المبادرة لتغيير مسار الدولة تغييرًا جديًا؟ أم تغلبها عادات الماضي التي أوصلتنا إلى هنا؟
الجواب يجب أن يُقال الآن، لا غدًا. لأن الغد، في طرابلس، قد ينهار قبل أن يأتي الجواب.

